عمر السهروردي
603
عوارف المعارف
قال يحيى بن معاذ : الدنيا عروس تطليها ماشطتها ، والزاهد فيها يسخم وجهها ، وينتف شعرها ، ويخرق ثوبها ، والعارف باللّه مشتغل بسيده ، ولا يلتفت إليها . واعلم أن المنتهى مع كمال حاله لا يستغنى أيضا عن سياسة النفس ومنعها الشهوات ، وأخذ الحظ من زيادة الصيام والقيام وأنواع البر . وقد غلط في هذا خلق ، وظنوا أن المنتهى استغنى عن الزيادات والنوافل ولا على قلبه من الاسترسال في تناول الملاذ والشهوات ، وهذا خطأ لا من حيث أنه يحجب العارف عن معرفته ، ولكن يوقف مقام المزيد . وقوم لما رأوا أن هذه الأشياء لا تؤثر فيهم قسوة ولا تورثهم حجية ركنوا إليها واسترسلوا فيها ، وقنعوا بأداء الفرائض ، واتسعوا في المأكل والمشرب ، وهذا الانبساط منهم بقية من سكر الأحوال ، وتقيد بنور الحال ، وعدم التخلص بالكلية إلى نور الحق . ومن تخلص من نور الحال إلى نور الحق يذهب عنه بقايا السكر ، ويوقف نفسه مقام العبيد ، كأحد عوام المؤمنين يتقرب بالصلاة والصوم وأنواع البر حتى بإماطة الأذى عن الطريق ، ولا يستكبر ولا يستنكف أن يعود في صور عوام المؤمنين من إظهار الإرادة بكل بر وصلة ، فيتناول الشهوات وقتا ، رفقا بالنفس المطهرة المزكاة المنقادة المطواعة لأنها أسيرته ، ويمنعها الشهوات وقتا ، لأن في ذلك صلاحها . واعبر هذا سواء بحال الصبى ، فإنه إن جاوز حد الاعتدال من إعطاء المراد وقتا ومنعه وقتا ، انفسد طبعه ، لأن الجبلة لا بد من قمعها بسياسة العلم ، وما دامت الجبلة باقية لا بد من سياسة العلم ، وهذا باب غامض دخل في النهايات على المنتهى من ذلك دواخل ، ووقع الركون ، وانسد به باب المزيد .